أحمد بن محمد المقري التلمساني
59
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
على الغلط ، وليس كذلك ، وإنما السبب الحامل لذلك جلب كلام الناس بعباراتهم ، والناقد البصير لا يخفاه مثل هذا ، وربما يقع التكرار ، وذلك من أجل ما ذكر ، واللّه أعلم . [ أخبار البنيان - قصر المأمون بن ذي النون ] وتذكرت بما وصفه من مجلس الناصر ما حكاه غير واحد عن القصر العظيم الذي شاده ملك طليطلة المأمون ابن ذي النّون بها ، وذلك أنه أتقنه إلى الغاية ، وأنفق عليه أموالا طائلة ، وصنع في وسطه بحيرة ، وصنع في وسط البحيرة قبة من زجاج ملوّن منقوش بالذهب ، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه المهندسون ، فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطا بها ويتصل بعضه ببعض ، فكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب « 1 » خلف الزجاج لا يفتر من الجري ، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء ولا يصله ، وتوقد فيها الشموع فيرى لذلك منظر بديع عجيب ، وبينما هو فيها مع جواريه ذات ليلة إذ سمع منشدا ينشد : [ الطويل ] أتبني بناء الخالدين ، وإنّما * مقامك فيها لو علمت قليل « 2 » لقد كان في ظلّ الأراك كفاية * لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل فنغص عليه حاله ، وقال : إن للّه وإنا إليه راجعون ، أظن أن الأجل قد قرب ، فلم يلبث بعدها غير شهر وتوفي ، ولم يجلس في تلك القبة بعدها ، وذلك سنة 467 ، تجاوز اللّه تعالى عنه ! هكذا حكاه بعض مؤرخي المغرب . وقد ذكر في غير هذا الموضع من هذا الكتاب حكاية هذه القبة بلفظ ابن بدرون شارح العبدونية فليراجع . وتذكرت هنا قول أبي محمد المصري في صفة قصر طليطلة : [ الكامل ] قصر يقصّر عن مداه الفرقد * عذبت مصادره وطاب المورد نشر الصّباح عليه ثوب مكارم * فعليه ألوية السّعادة تعقد وكأنّما المأمون في أرجائه * بدر تمام قابلته أسعد وكأنّما الأقداح في راحاته * درّ جماد ذاب فيه العسجد « 3 » وله في صفة البركة والقبة عليها : [ السريع ]
--> ( 1 ) في ه : من ماء سكب خلف الزجاج . ( 2 ) في ب ، ه : بقاؤك فيها لو علمت قليل . ( 3 ) العسجد : الذهب .